منطقة الاعضاء


من الذكر
( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَّهُ مَا فى السمَوَتِ وَ مَا فى الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِى يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيْدِيهِمْ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطونَ بِشىْء مِّنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السمَوَتِ وَ الأَرْض وَ لا يَئُودُهُ حِفْظهُمَا وَ هُوَ الْعَلىُّ الْعَظِيمُ )(البقرة / 255)
 

أهلا وسهلا بك إلى منتديات عموشية.

الرئيسيةعموشية الاخبارياليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلدخول

w w w . d o m e n . c o m


مرحبا بك عزيزى الزائر فى منتديات عموشية.

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا. كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى، أما إذا رغبت بقراءة المواضيع والإطلاع فتفضل بزيارة القسم الذي ترغب أدناه

www.amouchia.mam9.com




من 9 أكتوبر الى غاية 9 نوفمبر 2016
من 9 أكتوبر الى غاية 9 نوفمبر 2016 من 9 أكتوبر الى غاية 9 نوفمبر 2016

شاطر | 
 

 فقه ا لتدرُّج

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعلومات
الكاتب:
بكتاش حميدوش
اللقب:
مشرف
الرتبه:
مشرف
الصورة الرمزية


البيانات
الجنس الجنس :
ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات :
16
تقييم الأعضاء :
3
نقاط نقاط :
4664

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ar-ar.facebook.com/people/Ramli-Aymanovitch/1194375133
مُساهمةموضوع: فقه ا لتدرُّج   السبت 08 مايو 2010, 12:41

فقه ا لتدرُّج
أ.مروان محمد أبو بكر داعية وباحث سوداني
التدرج سنة كونية:
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين:التدرج سنة من سنن الله في الكون، فإن الله تعالى لم يخلق الخلق في يوم واحد وهو القادر سبحانه أن يوجد خلقه في لحظة واحدة قال الله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(النحل : 40)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (يس : 82)، ولكنه العليم الحكيم ارتضى التدرج سنة في خلقه فأنشأ خلقه في ستة أيام قال الله تعالى: (َلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ) (ق: 38)، وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ) (السجدة: 4)، وقال سبحانه وتعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) (هود: 7).
وأورد البخاري في صحيحه جواب ابن عباس لمن سأله عن قوله تعالى: ( َأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * َأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) (النازعات: 27-30). كما يلي:
"خلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله: (دحاها) وقوله: (خلق الأرض في يومين)، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين" (صحيح البخاري: 4/1814).والشاهد أن الله تعالى خلق خلقه على مراحل مع استغنائه عن ذلك لأنه الحكيم العليم يعلم الخلق أهمية التدرج ويرشدهم إلى التمرحل وفوائده.
ويلحظ المتأمل التدرج في آيات الله الكونية التي يراها كل يوم فالشمس تخرج متدرجة، ولو خرجت بغتة في كبد السماء لأضرت بالأبصار، وأكبر برهان على ذلك الضرر الذي كانت ستحدثه إذا خرجت بغتة ما تجده العين من عدم جلاء الرؤيا وصعوبتها عند انقطاع التيار الكهربائي ليلا ثم رجوعه فجأة، فإن العين تبقى مدة يصعب عليها تأدية وظيفتها ورؤية ما حولها.
وكذا القمر قدره الله تعالى منازل، فالقمر يتدرج في ظهوره واختفائه فأول ما يظهر يظهر شهرا ضعيفا ولا يمكث كثيرا حتى يأفل ثم لا يزال يكبر ليلة بعد ليلة حتى يكتمل بدرا ثم يختفي رويدا وريدا ويضعف ليلة إثر أخرى حتى ينقضي كما بدا، قال الله تعالى: (َالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ) (يس: 39).
وقد قدر الله تعالى أن يتدرج الإنسان في تخلقه وهو في الرحم قال الله تعالى: (َلَقَدْ خَلَقْنَا الاْنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (المؤمنون: 12-14).
وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال ( إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح"(رواه البخاري، 3/1174، (3036)، ومسلم: 4/2036، (2634))
فهذه الآية وهذا الحديث يبينان أن الإنسان يتخلق في الرحم ويمر بمراحل متعددة وهذا ما اثبته العلم الحديث وفي هذا دليل وأرشاد للإنسان أن يرعى سنة الله في خلقه له، بل إن الإنسان بعد أن يخرج إلى الدنيا يتدرج من طور إلى طور ومن مرحلة إلى أخرى من مراحل نوه، قال الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: 54). وقال الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (غافر: 67).
والإنسان مأمور أن ينظر في نفسه ليستجلى الحكم ويأخذ العبر من خلقه وتكوينه قال الله تعالى: ( َفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ) (الذاريات: 21)، ومن حكم الله تعالى في خلقه سنة التدرج ولكن الإنسان سرعان ما ينسى خلقه طورا بعد طور كما قال الله تعالى: ( َقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً) (نوح: 14)، ويتسرع في كل أمر من أموره متناسيا هذه الحكمة العظيمة من خلقه قال الله تعالى: (... وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً ) (الإسراء: 11)، هذه العجلة كثيرا ما تدفعه لحرق المراحل وتجاوز الأطوار اللازمة لإنجاز الأعمال، وفي الطبري، "حدثنا أبو كريب قال : ثنا عثمان بن سعيد قال : ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما نفخ الله في آدم من روحه أتت النفخة من قبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فاعجبه ما رأى من جسده فذهب لينهض فلم يقدر فهو قول الله تبارك وتعالى ( وكان الإنسان عجولا)" (تفسير الطبري: 8/44).
التدرج سنة شرعية:التدرج من أعظم سمات الشرع الحنيف فإن الله سبحانه وتعالى لم ينزل كتابه الكريم على نبيه الأمين جملة واحدة بل أنزله متفرقا منجما فيما يربو على العقدين من الزمان وذلك مراعاة لسنة التدرج قال الله تعالى: (َقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) (الفرقان: 32)، قال ابن كثير رحمه الله: "والقرآن نزل منجما مفرقا مفصلا آيات بعد آيات وأحكاما بعد أحكام وسورا بعد سور وهذا أشد وأبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه"، (تفسير القرآن العظيم: 3/411).
بل إن نزول الملك على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقته خطوات كانت مهيئة للنبي صلى الله عليه وسلم ليتحمل الأمانة ويقوم بالرسالة فقد كان أول ما بدء به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ففي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ قال ( ما أنا بقارىء"(رواه البخاري: 1/4، (3)).
فهكذا نرى أن الوحي لم يفاجأ النبي صلى الله عليه وسلم بغتة بل كانت مرحلة الرؤيا الصالحة التي أهلته لما بعدها من المراحل.
وبعد أن نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرحلة الأوامر الإلهية، فلم يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالجهر بالدعوة بل لم يأمره بدعوة قريب أو بعيد في بادي الأمر بل كان لقاء جبريل الأول بالنبي صلى الله عليه وسلم أشبه بالتعارف، وكانت غايته التعريف بخالق الإنسان، ومن اللطائف هنا أن هذا التعريف بالخالق تعالى اشتمل على قضية التدرج ضمنا قال الله تعالى فيما أوحاه جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر وهو بغار حراء: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ( العلق :1 – 5 ) ، فذكر عز وجل خلق الإنسان وأنه خلقه من علق ولم يخلقه بشحمه ولحمه في مرحلة واحدة، وذكر أنه علم الإنسان بالقلم أي لم يودع العلم في صدر الإنسان مع قدرته على ذلك بل علمه بالقلم وهو ما يحتاج إلى زمن وجهد وتمرحل.
ثم توالت مراحل الدعوة بعد ذلك وكانت تتمرحل وفي كل مرة تتسع الدائرة واستمر هذا التدرج في الدعوة ثلاث سنين، وكانت مراحلها ثلاثة، وهي كالآتي:
المرحلة الأولى: دعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم أقرب الناس إليه وألصقهم به قال الشيخ صفي الرحمن المباركفورك: "كان من الطبيعي أن يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم الإسلام على ألصق الناس به من أهل بيته وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح فأجابه من هؤلاء الذين لم تخالطهم ريبة قط في عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وجلالة نفسه وصدق خبره جمع عرفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين" (الرحيق المختوم: 80)
المرحلة الثانية دعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم الأهل والعشيرة، فعن علي رضي الله عنه قال: "دعاني فقال يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام وأعد لنا عسل ولبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب ففعلت فاجتمعوا له يومئذ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب الكافر الخبيث فقدمت اليهم تلك الجفنة فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حذية فشقها باسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال كلوا بسم الله فاكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم والله إن كان الرجل ليأكل مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسقهم يا علي فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عد لنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالامس من الطعام والشراب فان هذا الرجل قد بدر الى ما سمعت قبل أن أكلم القوم ففعلت ثم جمعتهم له وصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس فاكلوا حتى نهلوا عنه وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقهم يا علي فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله الى الكلام فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالامس من الطعام والشراب فان هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم ففعلت ثم جمعتهم له فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس فاكلوا حتى نهلوا عنه ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بافضل من ما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة"(البداية والنهاية: 3/39).
المرحلة الثالثة: مرحلة دعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم الناس كافة إلى الإسلام وجهر بدعوته في النوادي والمنتديات، قال الطبري رحمه الله: "ثم إن الله عز وجل أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه وأن يبادي الناس بأمره ويدعو إليه فقال له فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ( 1 ) وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعاء إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم"(تاريخ الطبري، 1/541).
والحق أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل متدرجة متمرحلة منذ أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى وقد كان يكمل بنيانها في كل مرحلة حتى قامت على سوقها واستوت وما أحسن ما قول الحليمي رحمه الله : "و كانت للنبي صلى الله عليه و سلم قبل فرض الجهاد منازل مع المشركين فأول ذلك أنه كان يوحى إليه و لا يؤمر في غير نفسه بشيء ثم أمر بالتبليغ فقيل له ( قم فأنذر ) فأشفق من ذلك فنزل ( يا أيها الرسول بلغ ) إلى قوله (والله يعصمك من الناس) فلما بلغ كذبوه و استهزأوا به فأمر بالصبر و قيل ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) ( إنا كفيناك المستهزئين ) ثم أمر باعتزالهم فنزل ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا ) و نزل ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ثم أذن لمن آمن به في الهجرة دونه فنزل ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) ثم أمر الله تعالى جده رسول صلى الله عليه و سلم بالهجرة و نزل ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق) فهاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم أن الله تعالى أذن لهم في قتال من قاتلهم فنزل ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) ثم أذن لهم في الابتداء فنزل ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير ) و قد قرىء يقاتلون فرجع إلى معنى ما قبله ثم إن الله عز و جل فرض الجهاد على رسوله صلى الله عليه و سلم و فرض الهجرة على المتخلفين بمكة من المسلمين فأنزل الله عز و جل في فرض الجهاد ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) ( وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم ) و غير ذلك من الآيات ثم ألزم الجهاد إلزاما لا مخرج منه فقال : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به )(شعب الإيمان: 4/3).
وكما أن التدرج كان سمة في نزول التشريع وفي بروزه للناس ودعوتهم له كذلك كان سمة في بيان أحكامه وحلاله وحرامه، فإن أول ما نزل من القرآن كان متعلقا بالعقيدة والغيبيات لترسخ العقيدة في القلوب وتستقر في النفوس فيسهل بعدها تطبيق الأحكام، فإن المؤمن الذي وقرت العقيدة في فؤاده ينقاد طائعا لأحكام الشرع قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً ) (الأحزاب: 36).
وهذا ما أوضحته عائشة رضي الله عنها قال يوسف بن ماهك: "إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها عراقي فقال أي الكفن خير ؟ قالت ويحك وما يضرك . قال يا أم المؤمنين أريني مصحفك قالت لم ؟ قال لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف قالت وما يضرك أيه قرأت قبل إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد صلى الله عليه وسلم وإني لجارية ألعب ( بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) . وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده"(رواه البخاري: 4/1910، (4707)).
قال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني رحمه الله: "والمراقب لنزول القرن وسير التشريع الإسلامي يرى من مظاهر هذه السياسة البارعة المعجزة شيئا كثيرا وحسبك ان يبتدئ الأمر بتقرير عقيدة التوحيد وألا تفرض الصلوات الخمس إلا بعد عشر سنوات تقريبا من البعثة ثم سائر العبادات بعضها تلو بعض أما المعاملات فلم يستبحر الأمر فيها إلا بعد الهجرة وقل مثل ذلك في المنهيات"(مناهل العرفان: 2/265).
ثم توالت الأحكام بعد أن رسخت العقيدة في قلوب المؤمنين، وكان نزول أكثر آيات الأحكام في القرآن المدني الذي نزل بعد الهجرة وبعد أن صحت عقيدة المسلمين وهاجروا من أوطانهم حفاظا على دينهم وطاعة لله تعالى وحبا لرسوله الكريم وكذا كان ذلك النزول ممرحلا وليس جملة واحدة، خاصة تحريم ما تعلقت به النفوس مما كان عليه أمر الجاهلية فقد جاء تحريمه بالتدرج مثال ذلك ما يلي:
تحريم الخمر:كان شرب الخمر شائعا في الجاهلية، حتى كتبت القصائد في الخمر، وكان بعضهم يبدأ به قصيدته كعمرو بن كلثوم الذي قال:
ألاَ هُبِّي بِصَحْنِك فَاصْبَحِينا ... ولا تُبْقي خمورَ الأندَرِينا
مَشَعْشَعةً كأنّ الحُصَّ فيها ... إذا ما الماءُ خالطها سَخِينَا
وكقول أبي محجن يوصي ولده:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروى عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
فلما كان تعلقهم بالخمر على هذا النحو كان تحريمها تدريجيا، ليسهل على النفوس تركها، ولئلا يقع الرفض للشرع لمخالفته ما تهوى النفس، كما قالت عائشة في الخبر المنقول عنها آنفا، فكان ذم الخمر في القرآن سابق لتحريمها وفي الطبري: "حدثنا سفيان بن وكيع قال : حدثنا إسحاق الأزرق عن زكريا عن سماك عن الشعبي قال : نزلت في الخمر أربع آيات: ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) فتركوها ثم نزلت فى النحل : ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) فشربوها ثم نزلت الآيتان في المائدة : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ) إلى قوله : ( فهل أنتم منتهون ) حدثني موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال حدثنا أسباط عن السدي : قال نزلت هذه الآية : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) الاية فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب فقرأ : ( قل يا أيها الكافرون ) ولم يفهمهما فأنزل الله عز وجل يشدد في الخمر : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) فكانت لهم حلالا يشربون من صلاة الفجر حتى يرتفع النهار أو ينتصف فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة - وهي العشاء - ثم يشربونها حتى ينتصف الليل وينامون ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا - فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم رجل من الأنصار فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا وأخذوا في الحديث فتكلم سعد بشيء فغضب الأنصاري فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها وقال : ( إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام) إلى قوله : (فهل أنتم منتهون)(الطبري: 2/369)
هذا التدرج الذي أشار إليه أكثر المفسرين في تحريم الخمر يدل على أن الشرع يعنى بالمرحلية، ويتخذ من التدرج وسيلة لبلوغ الغاية وإيصال الناس إلى الأهداف النبيلة ويسهل عليهم أمر تنفيذ أحكام الشرع الحنيف.
وكذا في تحريم الربا، فقد تدرج الله تعالى في تحريمه فنهى أولا عن الاضعاف المضاعفة فقال عز وجل ( يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 130). ثم حرمه بعد ذلك فقال: (... وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا... ) (البقرة: 275).
التدرج فى الدعوة إلى الله تعالى:لقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يراعي أمر التدرج في الدعوة ويحرص عليه فلم يكن ينتقل من مرحلة قبل أن يستوفيها حقها كما لم يكن ينتقل إلى مرحلة لم يحن وقتها، ولم يكن الغلتزام بالتدرج من قبل النبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه فحسب بل كان يوصي به أصحابه والأمة من بعدهم، فهاهو عليه الصلاة والسلام يرسل معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن فيحضه على التدرج مع من أرسله إليهم ومراعاة المرحلية في إبلاغ الحق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا رضي الله عنه على اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس" (راوه البخاري، 2/529، (1389)).
وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال " إنك تأتي قوما أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله ( تبارك وتعالى ) افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب"(رواه ابوداود، 1/498، (1584)) " فهذا الحديث ما أوضحه في أمر التدرج في الدعوة إلى الله تعالى، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يشترط على معاذ رضي الله عنه في الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التي تليها بأن يحين وقتها وذلك بإنجاز المرحلة الأولى، فما فائدة أن يصلي أو يتصدق من لم يشهد ألا إله إلا الله؟
التدرج في طلب العلم:من المجالات التي يتأكد فيها التدرج مجال طلب العلم، فإن العلم بحر عميق من أراد أن يصل منذ الوهلة الأولى إلى قاعه فإنه سيهلك، ولذا نبه أهل العلم إلى ضرورة التدرج في طلبه، وأخذه جرعة جرعة، قال ابن القيم رحمه الله في معرض حديثه عن تشبيه النبي صلى الله عليه وسلم للعالم بالقمر في قوله:(وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، فاستنبط منه تدرج العالم كما يتدرج القمر في منازله فقال:
فيه ايضا تنبيه لاهل العلم على تربية الامة كما يربى الوالد ولده فيبربونهم بالتدريج والترقي من صغار العلم إلى كباره وتحميلهم منه ما يطيقون كما يفعل الاب بولده الطفل في ايصال الغذاء اليه فإن ارواح البشر بالنسبة الى الانبياء والرسل كالاطفال بالنسبة الى آبائهم بل دون هذه النسبة بكثير ولهذا كل روح لم تربها الرسل لم تفلح ولم تصلح لصالحه كما قيل:ومن لا يربيه الرسول ويسقه ... لبانا له قد در من ثدي قدسه فذاك لقيط ماله نسبة الولا ... ولا يتعدى طور ابناء جنسه(مفتاح دار السعادة، 1/66).
وقال القرطبي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: (... وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران: 79)، والربانيون واحدهم رباني منسوب إلى الرب والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره وكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور"(الجامع لأحكام القرآن: 4/119).ونقل البغوي في تفسير هذه الآية:" قال المبرد : هم أرباب العلم سموا به لأنهم يربون العلم ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها"(تفسير البغوي: 1/59).وفي صحيح البخاري: "(ربانيين ) جمع رباني نسبة إلى الرب سبحانه وتعالى . ( بصغار العلم ) بمبادئه الأولية ومسائله الهامة والسهلة الواضحة"(صحيح البخاري، 1/37).
ومما سبق نستخلص أن العالم الرباني نسبة إلى الرب تعالى لأنه ينتهج ما ارتضاه الله تعالى من منهج التدرج والتمرحل فيعلم الناس بما يسهل عليهم علمه أولا وبما هم في حاجة ماسة إليه وينتقل بهم من الأسهل إلى ما هو فوقه.
والعلم الذي يحصل عليه الطالب من غير تدرج لا يبقى بل يذهب منه أدراج الرياح، لأن شجرة العلم عند ذلك المستعجل تنمو نموا غير طبيعي، فهي وإن كانت شامخة في الفضاء إلا أنها تفتقر إلى الجذور التي تثبتها فتستقر، ولذا لا تلبث أن تتهاوى إذا هبت عليه الرياح، ولذا جاء في الأثر: "من أخذ العلم جملة ذهب منه جملة"(مصنف عبد الرزاق، 2/325، (3550))
التدرج في التربية:التربية أصلا بمعنى التنشئة التي فيها التمرحل والتدرج قال ابن منظور: "رَبِيت في حجرِه ورَبَوْتُ ورَبِيتُ أَرْبَى رَباً ورُبُوّاً وأَنشد فَمَنْ يكُ سائلاً عَنِّي فإِنِّي بمَكَّة مَنْزِلي وبِها رَبِيتُ الأَصمعي رَبَوْتُ في بَني فلان أَرْبُو نَشَأْتُ فيهِم ورَبَّيْتُ فلاناً أُرَبِّيه تَرْبِيَةً وتَرَبَّيْتُه ورَبَبْتُه ورَبَّبْته بمعنى واحد الجوهري رَبَّيْته تَرْبِية وتَرَبَّيْته أَي غَذَوْتُه قال هَذا لكل ما يَنْمِي كالوَلَد والزَّرْع" (لسان العرب: 14/304).
وقد أتى الشرع موافقا للوضع في أن التربية تحتاج إلى تدرج بالمربى، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع"(رواه أحمد، 2/187، (6756)، وحسنه الشيخ شعيب أرناؤوط).
ففي هذا الحديث مراعاة مرحلة الصغير، فإنه قبل السابعة لا يميز فلا يؤمر بالصلاة فإذا بلغ السابعة أمر بالصلاة أمرا شفهيا وأمهل حتى العاشرة فإن لم يصل فإنه يؤدب بالضرب، فلم يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بأمر بضربه بل جعل الكلام اللين مقدم على التأديب بالجلد، وهذا تدرج في التربية مهم جداً.
وفي تأديب النساء أيضا أمر الله تعالى بالتدرج قال عز من قائل: ( وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً ) (النساء: 34)، قال محمد بن كعب في تفسير هذه الآية: "تهجر مضجعها ما رأيت أن تنزع فإن لم تنزع ضربها ضربا غير مبرح"(تفسير الطبري: 4/59).وقال ابن عباس : "يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع"(تفسير القرآن العظيم:
وفي تفسير البغوي: "واللاتي تخافون نشوزهن } عصيانهن وأصل النشوز : التكبر والارتفاع ومنه النشز للموضع المرتفع { فعظوهن } بالتخويف من اللهو الوعظ بالقول { واهجروهن } يعني : إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهجروهن { في المضاجع } قال ابن عباس : يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها وقال غيره : يعتزل عنها إلى فراش آخر { واضربوهن } يعني : إن لم ينزعن مع الهجران فاضربوهن ضربا غير مبرح ولا شائن"(تفسير البغوي: فما سبق من أقوال المفسرين يفضي إلى حقيقة واحدة وهي التدرج في تأديب الزوجة الناشزة، فالمرحلة الأولى هي وعظها وأرشادها، فإن أقلعت وإلا انتقل الزوج إلى المرحلة الثانية وهي هجرها في المضاجع، فإن أقلعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح.
التدرج في إصلاح المجتمع:من العيوب التي يبتلى بها كثير من المصلحين هو تجاهل سنة الله الكونية القاضية بالتدرج في إصلاح المجتمع وتهذيبه، إن الرغبة العارمة والحماس المتدفق لا يكفي لتغيير حقيقي يبقى أثره ويستمر نفعه، فلا بد للمصلح من أن يعلم أن للإصلاح سلم يجب أن يرتقى درجة درجة وإلا سقط السلم بمن يصعد عليه.
قال الإمام الشاطبي في الموافقات: "يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له مالك لا نفذ الأمور فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك فى الحق قال له عمر لا تعجل يا بنى فإن الله ذم الخمر فى القرآن مرتين وحرمها فى الثالثة وإنى أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنةوهذا معنى صحيح معتبر فى الاستقراء العادى فكان ما كان أجرى بالمصلحة وأجرى على جهة التأنيس وكان أكثرها على أسباب واقعة فكانت أوقع فى النفوس حين صارت تنزل بحسب الوقائع وكانت أقرب فكانت أوقع فى النفوس حين صارت تنزل بحسب الوقائع وكانت أقرب إلى التأنيس حين كانت تنزل حكما حكما وجزئية جزئية لأنها إذا نزلت كذلك لم ينزل حكم إلا والذى قبله قد صار عادة واستأنست به نفس المكلف الصائم عن التكليف وعن العلم به رأسا فإذا نزل الثانى كانت النفس أقرب للانقياد له ثم كذلك فى الثالث والرابع"(الموافقات: 2/94).
فما أفقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله بسياسة الناس وقيادتهم إلى الخير، فإن قيادة الناس وسوقهم إلى الصلاح يجب فيها التدرج وإلا لكف الناس عن الخير جملة وأعرضوا عنه واستثقلوه، ولذا نجح عمربن عبد العزيز بهذه السياسة الحكيمة المتدرجة المتأنية في زمن وجيز فنصلح حال رعيته واستقامت طريقتهم وكان زمانه أشبه بزمن الرعيل الأول من الخلفاء الراشدين.وقد جعل نبينا صلى الله عليه وسلم تغيير المنكر على مراتب ليتدرج فيها المسلمون كل حسب استطاعته وقدرته فقال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"(رواه مسلم: 1/69، (49)).
قال ابن القيم رحمه الله معلقا على هذا الحديث: "وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب : الأولى : باليد إذا قدر فإن عجز انتقل إلى اللسان فإن عجز جاهد بقلبه"(زاد المعاد، 3/10).وقال ابن القيم رحمه الله أيضا: " فإنكار المنكر أربع درجات الأولى أن يزول ويخلفه ضده الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته الثالثة أن يخلفه ما هو مثله الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة"(إعلام الموقعين: 3/4).وعبد الله بن عمر عن عائشة رضي الله عنهم زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ( ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم ) . فقلت يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم قال ( لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت ) (رواه البخاري، 2/573، (1506)، ومسلم، 2/968، (1333)).
فهاهو ذا النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عائشة رضي الله عنها أن الناس أو بعضهم لم يبلغوا مرحلة قبولهم أمرا كإعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم ولما كنت لمرحلة لم تأت بعد للقيام بهذا العلم تركه النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة للتدرج في التغيير والإصلاح.
التدرج في الحوار:من المجالات التي يحسن فيها التدرج الحوار والمناظرة، فقد حكى الله تعالى لنا في القرآن عن إبراهيم عليه السلام مناظرته الشهيرة مع النوروذ بن كنعان قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: 258).
عن السدي قال : "لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه وقال له : من ربك ؟ قال : ربي الذي يحيي ويميت ! قال نمرود : أنا أحيي وأميت ! أنا أدخل أربعة نفر بيتا فلا يطعمون ولا يسقون حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا وتركت اثنين فماتا فعرف إبراهيم أن له قدرة بسلطانه وملكه على أن يفعل ذلك قال له إبراهيم : فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ! فبهت الذي كفر"(تفسير الطبري: 3/25).
فقد تدرج إبراهيم عليه السلام مع ذاك الطاغية في الحوار، ألقى لهو أولا الحجة الأولى ربي الذي يحيي ويميت فتحايل النمروذ عليها، فأتاه بالحجة الثانية التي بهتته وأفحمته إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب.
وكذا تدرج النبي صلى الله عليه وسلم في الحوار مع كثير من مشركي قومه حتى ألزمهم الحجة من ذلك هذا الحوار المتأني عن عمران بن الحصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي كم تعبد اليوم إلها قال سبعة ست في الأرض وواحد في السماء قال فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء فقال يا حصين أما إنك إن أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك قال فلما أسلم حصين أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني قال فقال اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي (المعجم الكبير، 18/174، (396)، والمعجم الأوسط، 2/280، وحلية الأولياء، 1/19).
فانظر كيف أوصل النبي صلى الله عليه وسلم الحق إلى قلب هذا الرجل الذي كان على الشرك، فقد استدرجه استدراجا وتدرج معه تدرجا حكيما حتى أقام عليه الحجة، سأله أولا عن معبوده، ثم بين له أن من الضلال إشراك من لا يرجوه لرغبته ورهبته مع من يرجوه لرغبته ورهبته وقد أدار الحوار بلغة السؤال فكانت الإسئلة ترد شيئا فشيئا كأنها خطوات يخطوها النبي صلى الله عليه وسلم بالمسؤول ليوصله إلى النتيجة التي أدت إلى إيمانه.
كلمة حق يراد بها باطل:ولكن كثيرا ما تكون الدعوة إلى التدرج كلمة حق يراد بها باطل، فمن الناس من يتخذ الدعوة إلى المرحلية ومراعاة التدرج ذريعة للتسيب وعدم إنجاز ما حان وقت إنجازه والتقاعس عن السير في الطريق وتحقيق الغايات بل والتمرد على الأحكام التكليفية بحجة أن المرحلة لم تأت بعد، وأن وقت إنجاز هذا العمل أو ذاك لم يحن بعد.
إن الله تعالى عاب على هؤلاء المتقاعسين تكاسلهم وتثبطهم فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (النساء: 77).
فهؤلاء القوم رفضوا التدرج بحجة التدرج، فقد حان وقت القتال ولكنهم رفضوا الانتقال إلى المرحلة الجديدة فإذا هم رافضوا أن يصعدوا في الدرج، مثلهم كمثل طالب اجتاز الامتحان في الفصل الأول بنجاح ولكنه أصر على البقاء في ذات الصف، ورفض أن ينتقل لما هو أهل له من مرحلة جديد ألا يعد هذا رفضا للتدرج؟؟
قال ابن عباس رحمه الله في حق المذكورين في الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (النساء: 77)، قال: " نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم"(تفسير الطبري: 4/173).قال البيضاوي: "(وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب) استزادة في مدة الكف عن القتال"(تفسير البيضاوي:
إذا فالرافضون للتدرج قسمان، فسم يحرق المراحل، ويتخطى كثير من درج السلم فإن لم يسقط حصلت له المشقة والتعب، وقسم آخر يرفض التحرك والصعود مع قدرته عليه وتمكنه منه فيقع في العنت بطول البقاء في السلم ويضيع فرضا ويهدر وقتا ويبدد طاقة، وكلا طرفي قصد الأمور ذمم، وكلا الفريقين قد وقعا في الشطط وخير الأمور الوسط، وهو مراعاة المرحلية والتدرج وألا يقدم على عمل هناك ما هو أولى منه، وألا يعمل المرء في مرحلة وهناك من يسبقها، وكذا لا يتأخر المرء عن إنجاز ما حان إنجازه وجاء زمانه وقدر عليه.
أسباب عدم التدرج:إذا كان التدرج بهذا القدر من الأهمية، فلا بد أن يكون للعدول عنه أسباب، تخلط الأوراق في ذهن من يتعجلون الأمور ويحرقون المراحل، وليس ذكر تلك الأسباب الداعية إلى ترك التمرحل وعدم التدرج من باب التسويغ لعدم التدرج وتبريره بل من باب بيان أسباب الداء ليتجنبها العاقل، ويحذر منها الفطن، فيسلك الطريق السليم لنيل المآرب وتحقيق الغايات، وهو الطريق الذي يراعي المرحلية ويضمن سلامة الوصول إلى النتائج المرجوة.ومن الجدير بالذكر أن هذا الموضوع لا يخص المسلم فحسب بل هو أمر يتعلق بالسنن الكونية الواجب اتباعها من جميع البشر، فإن نواميس الكون في الأصل لا تفرق بين مسلم وكافر، فمن أخذ بها حصل له ما يأمل ومن تركها وأهملها ذاق وبال إهماله لها.
ولكن المسلم الذي بين له القرآن غاية البيان ضرورة التدرج ومراعاته كسنة كونية وشرعية، وحضه النبي صلى الله عليه وسلم قولا وعملا علة مراعاة المرحلية أجدر وأولى بالتفطن لهذه الحقيقة والعمل وفقها، وفيما يلي أسوق طائفة من أسباب عدم التدرج:
أولاً استعجال النتائج:إن أكبر سبب يدفع المرء لعدم التدرج في الأمور الاستعجال في تحصيل الرغبات، إن الله تعالى جعل لكل مقدور وقتا قال الله تعالى: (لكل أجل كتاب)(الرعد: 38)، قال ابن كثير رحمه الله: (أي لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها وكل شيء عنده بمقدار)(تفسير القرآن العظيم: 2/683).
فما دام أن لكل شيء وقت محدد فلم يستعجل المرء الأمر قبل وقته، ولو صبر أؤلئك العجلون لتحققت لهم غاياتهم ما داموا لها عاملون وعليها مصممون.
لقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم الأناة وحض عليها من ذلك مدحه عليه الصلاة والسلام لأشج عبدالقيس بقوله: "إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة"(رواه مسلم، 1/46، (17))، قال النووي رحمه الله: "وأما الحلم فهو العقل وأما الأناة فهي التثبت وترك العجلة وهى مقصورة وسبب قول النبى صلى الله عليه وسلم ذلك له ما جاء فى حديث الوفد أنهم لما وصلوا المدينة بادروا إلى النبى صلى الله عليه وسلم وأقام الاشج عند رحالهم فجمعها وعقل ناقته ولبس أحسن ثيابه ثم أقبل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقر به النبى صلى الله عليه وسلم وأجلسه إلى جانبه ثم قال لهم النبى صلى الله عليه وسلم تبايعون على أنفسكم وقومكم فقال القوم نعم فقال الاشج يا رسول الله انك لم تزاول الرجل عن شيء أشد عليه من دينه نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم فمن اتبعنا كان منا ومن أبى قاتلناه قال صدقت ان فيك خصلتين الحديث قال القاضي عياض فالأناة تربصه حتى نظر فى مصالحه ولم يعجل والحلم هذا القول الذى قاله الدال على صحة عقله وجودة نظره للعواقب"(شرح مسلم للنووي: 1/189).
فالأشج رضي الله عنه مدحه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه تأنى في أمر يسير وهو أنه تريث حتى لبس أحسن ثيابه وجمع رحل قومه وعقل ناقته، فاستحق المدح والتنويه بخلقه وتقريبه فكيف بالتريث والأناة فيما هو أعظم من ذلك؟ لا شك أن من يتريث في الأمور المصيرية والتي تكون نتائجها مؤثرة عليه أولى بالمدح وأحق.
إذا فالأناة أول أسباب التدرج والتمرحل والعجلة من أكبر أسباب حرق المراحل وتجاوزها تجاوزا يعود أقل ما فيه أن يحرم صاحبه الوصول وقديما قال الفقهاء: "من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه"(المنثور من القواعد للزركشي: 3/205).
ثانيًا قصر النفس:كثيرون هم الذين يبتدؤون المشوار وهم يستصحبون الأناة ويلحظون المراحل ويتدرجون في سلم الوصول، ولكن لما يكونون في الطريق تسرع بهم الخطى فيتخطون من المراحل ما لا يجب تخطيه، وما ذاك إلا لقصر النفس وانعدام الصبر وقلته.
إن الله تعالى ذكر الصبر في القرآن في تسعين موضعا، قال ابن القيم رحمه الله: "أن الله سبحانه ذكر الصبر في كتابه في نحو تسعين موضعا فمرة أمر به ومرة أثنى على أهله ومرة أمر نبيه أن يبشر به أهله ومرة جعله شرطا في حصول النصر والكفاية ومرة أخبر أنه مع أهله وأثنى به على صفوته من العالمين وهم أنبياؤه ورسله فقال عن نبيه أيوب إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب وقال لخاتم أنبيائه ورسله فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل وقال واصبر وما صبرك إلا بالله وقال يوسف الصديق وقد قال له إخوته إءنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وهذا يدل على أن الصبر من أجل مقامات الإيمان وأن أخص الناس بالله وأولاهم به أشدهم قياما وتحققا به وأن الخاصة أحوج إليه من العامة"(طريق الهجرتين:
وما أجمل استشهاد ابن قيم الجوزية رحمه الله بقصة يوسق عليه السلام في مقام الصبر، فإن يوسف عليه السلام تمرحل حتى صار عزيز مصر وكلف بإدارة أموال الدولة وقد عزا عليه الصلاة والسلام ذلك النجاح الذي حققه إلى الصبر والتقى.
ثالثًا الياس والإحباط:الياس والإحباط داء خطير يدفع المصاب به إلى ترك التدرج، والمسلم لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيل، فكيف يقنط من روح الله، وكيف ييأس من فضل مولاه، ولو كانت مصائب الحياة تدفع إلى اليأس لكان أولى الناس بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان التفاؤل يملأ حياته كلما ضاقت به الدروب وتتابعت عليه المصائب والكروب.
فقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم سراقة الجعشمي بسواري كسرى عندما لحقه في طريق هجرته، وكانت كل القرائن تمنع مثل هذا الوعد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لسراقة، فسراقة يوم ذاك كان هو الطالب لا المطلوب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسير متخفيا من قومه الذين كانوا يقصون أثره ويتتبعونه في كل ناحية ولكنه التفاؤل واليقين بنصر الله(راجع فتح الباري: 7/242).
وفي غزوة الأحزاب لما نقضت بنو قريظة العهد كان أول كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد علمه بنقضهم العهد في أشد المواقف حرجا وكربا: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين"(راجع تاريخ الطبري، 2/93).
ولما عرضت للصحابة الكرام صخرة عاتية وهم يحفرون الخندق فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم "فلما رآها أخذ المعول وقال : بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها . فقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله . ثم ضرب الثانية وقطع ثلثا آخر فقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض . ثم ضرب الثالثة فقطع بقية الحجر فقال : الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة"(تاريخ الإسلام: 1/243).
فإذا كان هذا هو حال نبينا صلى الله عليه وسلم يتفاؤل في أحلك الأوقات فما الداعي لليأس والإحباط الذي جعل كثير من الشباب يتناسون السنن الكونية ويلقون سنة التدرج في الإصلاح ويألمهم واقع الأمة فيسعون ليصلحوه ولكنهم ما يزيدوا الأمر إلا سوء عندما يحاولون ارتقاء السقف دون المرور بمدرجات السلم.
رابعًا الحماس غير المنضبط:كثير من الناس يتدفقون حماسا، ولكن الحماس وحده لا يفي بالمطلوب ولا يبلغ الهدف المنشود، إن الحماس الذي يبلغ الغاية هو الحماس الذي يرعى المرحلية ويلحظ التدرج ويقدر المنازل المطلوب نزولها قبل الوصول إلى المحطة النهائية، وإليك هذه الواقعة التي هذب فيها النبي صلى الله عليه وسلم حماس أحد أصحابه، وذلك بعد بيعة العقبة الثانية، قال ابن اسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك قال "فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب والجباجب المنازل هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة هذا ابن أزبب قال ابن هشام ويقال ابن أزبب أتسمع أي عدو الله أما والله لا تفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا الى رحالكم قال فقال العباس بن عبادة بن نضلة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا"(البداية والنهاية: 3/164).
أراد هذا الصحابي الجليل العباس بن عبادة بن نضلة الذي بلغ به الحماس مبلغا في تلك الأجواء الإيمانية المفعمة بالتضحية والمبايعة عليها أن يحرق المراحل وأن يشعلها حربا لم يحسب عواقبها، ولم يتأمل في نتائجها فقط الحماس هو الذي يقوده وهو الذي يسيطر عليه، فهذب النبي صلى الله عليه وسلم من حماسه وأرشده إلى أن هذه المرحلة لم تحن بعد، ففهم هذا الصحابي أنه ليس بالحماس وحده تحقق النتائج وعلم أن هذه المرحلة التي دعا إليها الآن سيأتي وقتها وعنئذ لكل حادث حديث.
خامسًا: عدم الواقعية وتهويل النجاحات:كثير من الناس مؤمن بالمرحلية والتدرج ولكنه يخطأ في تقدير الواقع فيحسب أن المرحلة التي يود الانتقال إليها جاء وقتها والحقيقة غير ذلك، وهذا ناتج في كثير من الأحيان عن تهويل للإنجازات التي تحققت له فيحسب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المعلومات
الكاتب:
الداعية لله
اللقب:
كبار الشخصيات
الرتبه:
كبار الشخصيات
الصورة الرمزية


البيانات
جنسيتي جنسيتي :
مهنتي :
مزاجــي :
الجنس الجنس :
انثى
عدد المساهمات عدد المساهمات :
3304
تقييم الإدارة :
تقييم الأعضاء :
28
نقاط نقاط :
271201
العمر العمر :
34

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ar-ar.facebook.com/people/Ramli-Aymanovitch/1194375133
مُساهمةموضوع: رد: فقه ا لتدرُّج   الإثنين 17 مايو 2010, 10:51

شكرا
توقيع الداعية لله












أبتسم ... فرزقك مقسوم

وقدرك محسوم......

وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم
..
لأنها بين يدي الحي القيوم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المعلومات
الكاتب:
الفارس
اللقب:
المدير
الرتبه:
المدير
الصورة الرمزية


البيانات
جنسيتي جنسيتي :
مهنتي :
مزاجــي :
الجنس الجنس :
ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات :
2333
تقييم الأعضاء :
10
نقاط نقاط :
275012
العمر العمر :
24

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ar-ar.facebook.com/people/Ramli-Aymanovitch/1194375133
مُساهمةموضوع: رد: فقه ا لتدرُّج   الإثنين 28 يونيو 2010, 08:24

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المعلومات
الكاتب:
الداعية لله
اللقب:
كبار الشخصيات
الرتبه:
كبار الشخصيات
الصورة الرمزية


البيانات
جنسيتي جنسيتي :
مهنتي :
مزاجــي :
الجنس الجنس :
انثى
عدد المساهمات عدد المساهمات :
3304
تقييم الإدارة :
تقييم الأعضاء :
28
نقاط نقاط :
271201
العمر العمر :
34

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ar-ar.facebook.com/people/Ramli-Aymanovitch/1194375133
مُساهمةموضوع: رد: فقه ا لتدرُّج   الثلاثاء 29 يونيو 2010, 10:48

توقيع الداعية لله












أبتسم ... فرزقك مقسوم

وقدرك محسوم......

وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم
..
لأنها بين يدي الحي القيوم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المعلومات
الكاتب:
amine-13
اللقب:
المستشار
الرتبه:
المستشار
الصورة الرمزية


البيانات
جنسيتي جنسيتي :
مهنتي :
مزاجــي :
الجنس الجنس :
ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات :
809
تقييم الأعضاء :
13
نقاط نقاط :
93432
العمر العمر :
24

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ar-ar.facebook.com/people/Ramli-Aymanovitch/1194375133
مُساهمةموضوع: رد: فقه ا لتدرُّج   الثلاثاء 29 يونيو 2010, 21:33

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المعلومات
الكاتب:
الفارس
اللقب:
المدير
الرتبه:
المدير
الصورة الرمزية


البيانات
جنسيتي جنسيتي :
مهنتي :
مزاجــي :
الجنس الجنس :
ذكر
عدد المساهمات عدد المساهمات :
2333
تقييم الأعضاء :
10
نقاط نقاط :
275012
العمر العمر :
24

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
وسائل الإتصال:
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ar-ar.facebook.com/people/Ramli-Aymanovitch/1194375133
مُساهمةموضوع: رد: فقه ا لتدرُّج   الأربعاء 30 يونيو 2010, 09:04

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فقه ا لتدرُّج
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات عموشية :: […][§¤° الاعضاء °¤§][….] :: حوار مفتوح-
انتقل الى: